فصل: فَصْلٌ الْحَضَانَةُ حَقّ لِلْأُمّ وَهَلْ تَحِقّ لَهَا الْأُجْرَةُ:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: زاد المعاد في هدي خير العباد (نسخة منقحة)



.الْمُؤَاخَذَاتُ عَلَى ضَابِطِ ابْنِ قُدَامَةَ:

وَهَذَا خَيْرٌ مِمّا قَبْلَهُ مِنْ الضّوَابِطِ وَلَكِنْ فِيهِ تَقْدِيمُ أُمّ الْأُمّ وَإِنْ عَلَتْ عَلَى الْأَبِ وَأُمّهَاتِهِ فَإِنْ طَرّدَ تَقْدِيمَ مَنْ فِي جِهَةِ الْأُمّ عَلَى مَنْ فِي جِهَةِ الْأَبِ جَاءَتْ تِلْكَ اللّوَازِمُ الْبَاطِلَةُ وَهُوَ لَمْ يُطْرِدْهُ وَإِنْ قَدّمَ بَعْضَ مَنْ فِي جِهَةِ الْأَبِ عَلَى بَعْضِ مَنْ فِي جِهَةِ الْأُمّ كَمَا فَعَلَ طُولِبَ بِالْفَرْقِ وَبِمَنَاطِ التّقْدِيمِ. دُونَ الْأَخِ مِنْ الْأُمّ وَهُوَ فِي دَرَجَتِهَا وَمُسَاوٍ لَهَا مِنْ كُلّ وَجْهٍ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لِأُنُوثَتِهَا وَهُوَ ذَكَرٌ انْتَقَضَ بِرِجَالِ الْعَصَبَةِ كُلّهِمْ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ لَيْسَ مِنْ الْعَصَبَةِ وَالْحَضَانَةُ لَا تَكُونُ لِرَجُلِ إلّا أَنْ يَكُونَ مِنْ الْعَصَبَةِ. قِيلَ فَكَيْفَ جَعَلْتُمُوهَا لِنِسَاءِ ذَوِي الْأَرْحَامِ مَعَ مُسَاوَاةِ قَرَابَتِهِنّ لِقَرَابَةِ مَنْ فِي دَرَجَتِهِنّ مِنْ الذّكُورِ مِنْ كُلّ وَجْهٍ؟ فَإِمّا أَنْ تَعْتَبِرُوا الْأُنُوثَةَ فَلَا تَجْعَلُوهَا لِلذّكَرِ أَوْ الْمِيرَاثَ فَلَا تَجْعَلُوهَا لِغَيْرِ وَارِثٍ أَوْ الْقَرَابَةَ فَلَا تَمْنَعُوا مِنْهَا الْأَخَ مِنْ الْأُمّ وَالْخَالَ وَأَبَا الْأُمّ أَوْ التّعْصِيبَ فَلَا تُعْطُوهَا لِغَيْرِ عَصَبَةٍ. فَإِنْ قُلْتُمْ بَقِيَ قِسْمٌ آخَرُ وَهُوَ قَوْلُنَا وَهُوَ اعْتِبَارُ التّعْصِيبِ فِي الذّكُورِ وَالْقَرَابَةِ فِي النّسَاءِ. قِيلَ هَذَا مُخَالِفٌ لِبَابِ الْوِلَايَاتِ وَبَابِ الْمِيرَاثِ وَالْحَضَانَةُ وِلَايَةٌ عَلَى الطّفْلِ فَإِنْ سَلَكْتُمْ بِهَا مَسْلَكَ الْوِلَايَاتِ فَخُصّوهَا بِالْأَبِ وَالْجَدّ وَإِنْ سَلَكْتُمْ بِهَا مَسْلَكَ الْمِيرَاثِ فَلَا تُعْطُوهَا لِغَيْرِ وَارِثٍ وَكِلَاهُمَا خِلَافُ قَوْلِكُمْ وَقَوْلِ النّاسِ أَجْمَعِينَ. وَفِي كَلَامِهِ أَيْضًا: تَقْدِيمُ ابْنِ الْأَخِ وَإِنْ نَزَلَتْ دَرَجَتُهُ عَلَى الْخَالَةِ الّتِي هِيَ أُمّ وَهُوَ فِي غَايَةِ الْبُعْدِ وَجُمْهُورُ الْأَصْحَابِ إنّمَا جَعَلُوا أَوْلَادَ الْإِخْوَةِ بَعْدَ أَبِ الْأَبِ وَالْعَمّاتِ وَهُوَ الصّحِيحُ فَإِنّ الْخَالَةَ أُخْتُ الْأُمّ وَبِهَا تُدْلِي وَالْأُمّ مُقَدّمَةٌ عَلَى الْأَبِ وَابْنُ الْأَخِ إنّمَا يُدْلِي بِالْأَخِ الّذِي يُدْلِي بِالْأَبِ فَكَيْفَ يُقَدّمُ عَلَى الْخَالَةِ وَكَذَا الْعَمّةُ أُخْتُ الْأَبِ وَشَقِيقَتُهُ فَكَيْفَ يُقَدّمُ ابْنُ ابْنِهِ عَلَيْهَا.

.ضَابِطُ الْحَضَانَةِ عِنْدَ ابْنِ تَيْمِيّةَ وَبَيَانُ صِحّتِهِ وَاطّرَادِهِ:

وَقَدْ ضَبَطَ هَذَا الْبَابَ شَيْخُنَا شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيّةَ بِضَابِطِ آخَرَ. فَقَالَ أَقْرَبُ مَا يُضْبَطُ بِهِ بَابُ الْحَضَانَةِ أَنْ يُقَالَ لَمّا كَانَتْ الْحَضَانَةُ وِلَايَةً تَعْتَمِدُ الشّفَقَةَ وَالتّرْبِيَةَ وَالْمُلَاطَفَةَ كَانَ أَحَقّ النّاسِ بِهَا أَقْوَمَهُمْ بِهَذِهِ الصّفَاتِ وَهُمْ أَقَارِبُهُ يُقَدّمُ مِنْهُمْ أَقْرَبُهُمْ إلَيْهِ وَأَقْوَمُهُمْ بِصِفَاتِ الْحَضَانَةِ. فَإِنْ اجْتَمَعَ مِنْهُمْ اثْنَانِ فَصَاعِدًا فَإِنْ اسْتَوَتْ دَرَجَتُهُمْ قُدّمَ الْأُنْثَى عَلَى الذّكَرِ فَتُقَدّمُ الْأُمّ عَلَى الْأَبِ وَالْجَدّةُ عَلَى وَالْخَالَةُ عَلَى الْخَالِ وَالْعَمّةُ عَلَى الْعَمّ وَالْأُخْتُ عَلَى الْأَخِ. فَإِنْ كَانَا ذَكَرَيْنِ أَوْ أُنْثَيَيْنِ قُدّمَ أَحَدُهُمَا بِالْقُرْعَةِ يَعْنِي مَعَ اسْتِوَاءِ دَرَجَتِهِمَا وَإِنْ اخْتَلَفَتْ دَرَجَتُهُمَا مِنْ الطّفْلِ فَإِنْ كَانُوا مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ قُدّمَ الْأَقْرَبُ إلَيْهِ فَتُقَدّمُ الْأُخْتُ عَلَى ابْنَتِهَا وَالْخَالَةُ عَلَى خَالَةِ الْأَبَوَيْنِ وَخَالَةُ الْأَبَوَيْنِ عَلَى خَالَةِ الْجَدّ وَالْجَدّةُ وَالْجَدّ أَبُو الْأُمّ عَلَى الْأَخِ لِلْأُمّ هَذَا هُوَ الصّحِيحُ لِأَنّ جِهَةَ الْأُبُوّةِ وَالْأُمُومَةِ فِي الْحَضَانَةِ أَقْوَى مِنْ جِهَةِ الْأُخُوّةِ فِيهَا. وَقِيلَ يُقَدّمُ الْأَخُ لِلْأُمّ لِأَنّهُ أَقْوَى مِنْ أَبِ الْأُمّ فِي الْمِيرَاثِ. وَالْوَجْهَانِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد. وَفِيهِ وَجْهٌ ثَالِثٌ أَنّهُ لَا حَضَانَةَ لِلْأَخِ مِنْ الْأُمّ بِحَالِ لِأَنّهُ لَيْسَ مِنْ الْعَصَبَاتِ وَلَا مِنْ نِسَاءِ الْحَضَانَةِ وَكَذَلِكَ الْخَالُ أَيْضًا فَإِنّ صَاحِبَ هَذَا الْوَجْهِ يَقُولُ لَا حَضَانَةَ لَهُ وَلَا نِزَاعَ أَنّ أَبَا الْأُمّ وَأُمّهَاتِهِ أَوْلَى مِنْ الْخَالِ وَإِنْ كَانُوا مِنْ جِهَتَيْنِ كَقَرَابَةِ الْأُمّ وَقَرَابَةِ الْأَبِ مِثْلَ الْعَمّةِ وَالْخَالَةِ وَالْأُخْتِ لِلْأَبِ وَالْأُخْتِ لِلْأُمّ وَأُمّ الْأَبِ وَأُمّ الْأُمّ وَخَالَةِ الْأَبِ وَخَالَةِ الْأُمّ قُدّمَ مَنْ فِي جِهَةِ الْأَبِ فِي ذَلِكَ كُلّهِ عَلَى إحْدَى الرّوَايَتَيْنِ فِيهِ. هَذَا كُلّهُ إذَا اسْتَوَتْ دَرَجَتُهُمْ أَوْ كَانَتْ جِهَةُ الْأَبِ أَقْرَبَ إلَى الطّفْلِ وَأَمّا إذَا كَانَتْ جِهَةُ الْأُمّ أَقْرَبَ وَقَرَابَةُ الْأَبِ أَبْعَدُ كَأُمّ الْأُمّ وَأُمّ أَبِ الْأَبِ وَكَخَالَةِ الطّفْلِ وَعَمّةِ أَبِيهِ فَقَدْ تَقَابَلَ التّرْجِيحَانِ وَلَكِنْ يُقَدّمُ الْأَقْرَبُ إلَى الطّفْلِ لِقُوّةِ شَفَقَتِهِ وَحُنُوّهِ عَلَى شَفَقَةِ الْأَبْعَدِ وَمَنْ قَدّمَ قَرَابَةَ الْأَبِ فَإِنّمَا يُقَدّمُهَا مَعَ مُسَاوَاةِ قَرَابَةِ الْأُمّ لَهَا فَأَمّا إذَا كَانَتْ أَبْعَدَ مِنْهَا قُدّمَتْ قَرَابَةُ الْأُمّ الْقَرِيبَةِ وَإِلّا لَزِمَ مِنْ تَقْدِيمِ الْقَرَابَةِ الْبَعِيدَةِ لَوَازِمُ بَاطِلَةٌ لَا يَقُولُ بِهَا أَحَدٌ فَبِهَذَا الضّابِطِ يُمْكِنُ حَصْرُ جَمِيعِ مَسَائِلِ هَذَا الْبَابِ وَجَرْيُهَا عَلَى الْقِيَاسِ الشّرْعِيّ وَاطّرَادُهَا وَمُوَافَقَتُهَا لِأُصُولِ الشّرْعِ فَأَيّ مَسْأَلَةٍ وَرَدَتْ عَلَيْك أَمْكَنَ أَخْذُهَا مِنْ هَذَا الضّابِطِ مَعَ كَوْنِهِ مُقْتَضَى الدّلِيلِ وَمَعَ سَلَامَتِهِ مِنْ التّنَاقُضِ وَمُنَاقَضَةِ قِيَاسِ الْأُصُولِ وَبِاَللّهِ التّوْفِيقُ.

.فَصْلٌ الْحَضَانَةُ حَقّ لِلْأُمّ وَهَلْ تَحِقّ لَهَا الْأُجْرَةُ:

وَقَوْلُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنْتِ أَحَقّ بِهِ مَا لَمْ تَنْكِحِي فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنّ الْحَضَانَةَ حَقّ مَذْهَبِ أَحْمَد وَمَالِكٍ وَيَنْبَنِي عَلَيْهِمَا: هَلْ لِمَنْ لَهُ الْحَضَانَةُ أَنْ يُسْقِطَهَا فَيَنْزِلُ عَنْهَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ. وَأَنّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ خِدْمَةُ الْوَلَدِ أَيّامَ حَضَانَتِهِ إلّا بِالْأُجْرَةِ إنْ قُلْنَا: الْحَقّ لَهُ وَإِنْ قُلْنَا: الْحَقّ عَلَيْهِ وَجَبَ خِدْمَتُهُ مَجّانًا. وَإِنْ كَانَ الْحَاضِنُ فَقِيرًا فَلَهُ الْأُجْرَةُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ. وَإِذَا وَهَبَتْ الْحَضَانَةَ لِلْأَبِ وَقُلْنَا: الْحَقّ لَهَا لَزِمَتْ الْهِبَةُ وَلَمْ تَرْجِعْ فِيهَا وَإِنْ قُلْنَا: الْحَقّ عَلَيْهَا فَلَهَا الْعَوْدُ إلَى طَلَبِهَا. وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَبَيْنَ مَا لَمْ يَثْبُتْ بَعْدُ كَهِبَةِ الشّفْعَةِ قَبْلَ الْبَيْعِ حَيْثُ لَا تَلْزَمُ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ أَنّ الْهِبَةَ فِي الْحَضَانَةِ قَدْ وُجِدَ سَبَبُهَا فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ مَا قَدْ وُجِدَ وَكَذَلِكَ إذَا وَهَبَتْ الْمَرْأَةُ نَفَقَتَهَا لِزَوْجِهَا شَهْرًا أُلْزِمَتْ الْهِبَةُ وَلَمْ تَرْجِعْ فِيهَا. هَذَا كُلّهُ كَلَامُ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَتَفْرِيعُهُمْ وَالصّحِيحُ أَنّ الْحَضَانَةَ حَقّ لَهَا وَعَلَيْهَا إذَا احْتَاجَ الطّفْلُ إلَيْهَا وَلَمْ يُوجَدْ غَيْرُهَا وَإِنْ اتّفَقَتْ هِيَ وَوَلِيّ الطّفْلِ عَلَى نَقْلِهَا إلَيْهِ جَازَ وَالْمَقْصُودُ أَنّ فِي قَوْلِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنْتِ أَحَقّ بِهِ دَلِيلًا عَلَى أَنّ الْحَضَانَةَ حَقّ لَهَا.

.فصل هَلْ سُقُوطُ الْحَضَانَةِ بِالنّكَاحِ لِلتّعْلِيلِ أَوْ لِلتّوْقِيتِ؟

وَقَوْلُهُ مَا لَمْ تَنْكِحِي اُخْتُلِفَ فِيهِ هَلْ هُوَ تَعْلِيلٌ أَوْ تَوْقِيتٌ عَلَى قَوْلَيْنِ يَنْبَنِي عَلَيْهِمَا: مَا لَوْ تَزَوّجَتْ وَسَقَطَتْ حَضَانَتُهَا ثُمّ طَلُقَتْ فَهَلْ تَعُودُ الْحَضَانَةُ؟ فَإِنْ قِيلَ اللّفْظُ تَعْلِيلٌ عَادَتْ الْحَضَانَةُ بِالطّلَاقِ لِأَنّ الْحُكْمَ إذَا ثَبَتَ بِعِلّةِ زَالَ بِزَوَالِهَا وَعِلّةُ سُقُوطِ الْحَضَانَةِ التّزْوِيجُ فَإِنْ طَلُقَتْ زَالَتْ الْعِلّةُ فَزَالَ حُكْمُهَا وَهَذَا قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ مِنْهُمْ الشّافِعِيّ وَأَحْمَدُ وَأَبُو حَنِيفَةَ. ثُمّ اخْتَلَفُوا فِيمَا إذَا كَانَ الطّلَاقُ رَجْعِيّا هَلْ يَعُودُ حَقّهَا بِمُجَرّدِهِ أَوْ يَتَوَقّفُ عَوْدُهَا عَلَى انْقِضَاءِ الْعِدّةِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ وَهُمَا فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَالشّافِعِيّ أَحَدُهُمَا: تَعُودُ بِمُجَرّدِهِ وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشّافِعِيّ.
وَالثّانِي: لَا تَعُودُ حَتّى الْعِدّةُ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْمُزَنِيّ وَهَذَا كُلّهُ تَفْرِيعٌ عَلَى أَنّ قَوْلَهُ مَا لَمْ تَنْكِحِي تَعْلِيلٌ وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ. وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمَشْهُورِ مِنْ مَذْهَبِهِ إذَا تَزَوّجَتْ وَدَخَلَ بِهَا لَمْ يَعُدْ حَقّهَا مِنْ الْحَضَانَةِ وَإِنْ طَلُقَتْ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنّ قَوْلَهُ مَا لَمْ تَنْكِحِي لِلتّوْقِيتِ أَيْ حَقّك مِنْ الْحَضَانَةِ مُوَقّتٌ إلَى حِينِ نِكَاحِك فَإِذَا نَكَحْت انْقَضَى وَقْتُ الْحَضَانَةِ فَلَا تَعُودُ بَعْدَ انْقِضَاءِ وَقْتِهَا كَمَا لَوْ انْقَضَى وَقْتُهَا بِبُلُوغِ الطّفْلِ وَاسْتِغْنَائِهِ عَنْهَا. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ يَعُودُ حَقّهَا إذَا فَارَقَهَا زَوْجُهَا كَقَوْلِ الْجُمْهُورِ وَهُوَ قَوْلُ الْمُغِيرَةِ وَابْنِ أَبِي حَازِمٍ. قَالُوا: لِأَنّ الْمُقْتَضِيَ لِحَقّهَا مِنْ الْحَضَانَةِ هُوَ قَرَابَتُهَا الْخَاصّةُ وَإِنّمَا عَارَضَهَا مَانِعُ النّكَاحِ لِمَا يُوجِبُهُ مِنْ إضَاعَةِ الطّفْلِ وَاشْتِغَالِهَا بِحُقُوقِ الزّوْجِ الْأَجْنَبِيّ مِنْهُ عَنْ مَصَالِحِهِ وَلِمَا فِيهِ مِنْ تَغْذِيَتِهِ وَتَرْبِيَتِهِ فِي نِعْمَةِ غَيْرِ أَقَارِبِهِ وَعَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ مِنّةٌ وَغَضَاضَةٌ فَإِذَا انْقَطَعَ النّكَاحُ بِمَوْتِ أَوْ فُرْقَةٍ زَالَ الْمَانِعُ وَالْمُقْتَضِي قَائِمٌ فَتَرَتّبَ عَلَيْهِ أَثَرُهُ وَهَكَذَا كُلّ مَنْ قَامَ بِهِ مِنْ أَهْلِ الْحَضَانَةِ مَانِعٌ مِنْهَا كَكُفْرِ أَوْ رِقّ أَوْ فِسْقٍ أَوْ بَدْوٍ فَإِنّهُ لَا حَضَانَةَ لَهُ فَإِنْ زَالَتْ الْمَوَانِعُ عَادَ حَقّهُمْ مِنْ الْحَضَانَةِ فَهَكَذَا النّكَاحُ وَالْفُرْقَةُ. وَأَمّا النّزَاعُ فِي عَوْدِ الْحَضَانَةِ بِمُجَرّدِ الطّلَاقِ الرّجْعِيّ أَوْ بِوَقْفِهِ عَلَى انْقِضَاءِ الْعِدّةِ فَمَأْخَذُهُ كَوْنُ الرّجْعِيّةِ زَوْجَةً فِي عَامّةِ الْأَحْكَامِ فَإِنّهُ يَثْبُتُ بَيْنَهُمَا التّوَارُثُ وَالنّفَقَةُ وَيَصِحّ مِنْهَا الظّهَارُ وَالْإِيلَاءُ وَيُحَرّمُ أَنْ يَنْكِحَ عَلَيْهَا أُخْتَهَا أَوْ عَمّتَهَا أَوْ خَالَتَهَا أَوْ أَرْبَعًا سِوَاهَا وَهِيَ زَوْجَةٌ فَمَنْ رَاعَى ذَلِكَ لَمْ تَعُدْ إلَيْهَا الْحَضَانَةُ بِمُجَرّدِ الطّلَاقِ الرّجْعِيّ حَتّى تَنْقَضِيَ الْعِدّةُ فَتَبِينُ حِينَئِذٍ وَمَنْ أَعَادَ الْحَضَانَةَ بِمُجَرّدِ الطّلَاقِ قَالَ قَدْ عَزَلَهَا عَنْ فِرَاشِهِ وَلَمْ يَبْقَ لَهَا عَلَيْهِ قَسْمٌ وَلَا لَهَا بِهِ شَغْلٌ وَالْعِلّةُ الّتِي سَقَطَتْ الْحَضَانَةُ لِأَجْلِهَا قَدْ زَالَتْ بِالطّلَاقِ وَهَذَا هُوَ الّذِي رَجّحَهُ الشّيْخُ فِي الْمُغْنِي وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيّ فَإِنّهُ قَالَ وَإِذَا أُخِذَ الْوَلَدُ مِنْ الْأُمّ إذَا تَزَوّجَتْ ثُمّ طَلُقَتْ رَجَعَتْ عَلَى حَقّهَا مِنْ كَفَالَتِهِ.

.فصل هَلْ مُجَرّدُ عَقْدِ النّكَاحِ يُسْقِطُ الْحَضَانَةَ؟

وَقَوْلُهُ مَا لَمْ تَنْكِحِي اُخْتُلِفَ فِيهِ هَلْ الْمُرَادُ بِهِ مُجَرّدُ الْعَقْدِ أَوْ الْعَقْدُ مَعَ الدّخُولِ؟ وَفِي ذَلِكَ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنّ بِمُجَرّدِ الْعَقْدِ تَزُولُ حَضَانَتُهَا وَهُوَ قَوْلُ الشّافِعِيّ وَأَبِي حَنِيفَةَ لِأَنّهُ بِالْعَقْدِ يَمْلِكُ الزّوْجُ مَنَافِعَ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا وَيَمْلِكُ نَفْعَهَا مِنْ حَضَانَةِ الْوَلَدِ.
وَالثّانِي: أَنّهَا لَا تَزُولُ إلّا بِالدّخُولِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ فَإِنّ بِالدّخُولِ يَتَحَقّقُ اشْتِغَالُهَا عَنْ الْحَضَانَةِ وَالْحَدِيثُ يَحْتَمِلُ الْأَمْرَيْنِ وَالْأَشْبَهُ سُقُوطُ حَضَانَتِهَا بِالْعَقْدِ لِأَنّهَا حِينَئِذٍ صَارَتْ فِي مَظِنّةِ الِاشْتِغَالِ عَنْ الْوَلَدِ وَالتّهَيّؤِ لِلدّخُولِ وَأَخْذِهَا حِينَئِذٍ فِي أَسْبَابِهِ وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ.

.فَصْلٌ اخْتِلَافُ الْفُقَهَاءِ فِي سُقُوطِ الْحَضَانَةِ بِالنّكَاحِ:

وَاخْتَلَفَ النّاسُ فِي سُقُوطِ الْحَضَانَةِ بِالنّكَاحِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ:
أَحَدُهَا: سُقُوطُهَا بِهِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ الْمَحْضُونُ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى وَهَذَا مَذْهَبُ الشّافِعِيّ وَمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ عَلَى هَذَا كُلّ مَنْ أَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَقَضَى بِهِ شُرَيْحٌ. وَالْقَوْلُ الثّانِي: أَنّهَا لَا تَسْقُطُ بِالتّزْوِيجِ بِحَالِ وَلَا فَرْقَ فِي الْحَضَانَةِ بَيْنَ الْأَيّمِ وَذَوَاتِ الْبَعْلِ وَحُكِيَ هَذَا الْمَذْهَبُ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيّ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي مُحَمّدِ ابْنِ حَزْمٍ. الْقَوْلُ الثّالِثُ أَنّ الطّفْلَ إنْ كَانَ بِنْتًا لَمْ تَسْقُطْ الْحَضَانَةُ بِنِكَاحِ أُمّهَا وَإِنْ كَانَ ذَكَرًا سَقَطَتْ وَهَذِهِ إحْدَى الرّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللّهُ نَصّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ مُهَنّا بْنِ يَحْيَى الشّامِيّ فَقَالَ إذَا تَزَوّجَتْ الْأُمّ وَابْنُهَا صَغِيرٌ أُخِذَ مِنْهَا. قِيلَ لَهُ وَالْجَارِيَةُ مِثْلُ الصّبِيّ؟ قَالَ لَا الْجَارِيَةُ تَكُونُ مَعَ أُمّهَا إلَى سَبْعِ سِنِينَ. وَعَلَى هَذِهِ الرّوَايَةِ فَهَلْ تَكُونُ عِنْدَهَا إلَى سَبْعِ سِنِينَ أَوْ إلَى أَنْ تَبْلُغَ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. قَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: وَعَنْ أَحْمَدَ أَنّ الْأُمّ أَحَقّ بِحَضَانَةِ الْبِنْتِ وَإِنْ تَزَوّجَتْ إلَى أَنْ تَبْلُغَ. وَالْقَوْلُ الرّابِعُ أَنّهَا إذَا تَزَوّجَتْ بِنَسِيبِ مِنْ الطّفْلِ لَمْ تَسْقُطْ حَضَانَتُهَا ثُمّ اخْتَلَفَ أَصْحَابُ هَذَا الْقَوْلِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنّ الْمُشْتَرَطَ أَنْ يَكُونَ الزّوْجُ نَسِيبًا لِلطّفْلِ فَقَطْ وَهَذَا ظَاهِرُ قَوْلِ أَصْحَابِ أَحْمَدَ.
الثّانِي: أَنّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مَعَ ذَلِكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ.
الثّالِثُ أَنّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الزّوْجِ وَبَيْنَ الطّفْلِ إيلَادٌ بِأَنْ يَكُونَ جَدّا لِلطّفْلِ وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَبَعْضِ أَصْحَابِ أَحْمَدَ فَهَذَا تَحْرِيرُ الْمَذَاهِبِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.

.حُجّةُ مَنْ أَسْقَطَ الْحَضَانَةَ بِالتّزْوِيجِ مُطْلَقًا:

فَأَمّا حُجّةُ مَنْ أَسْقَطَ الْحَضَانَةَ بِالتّزْوِيجِ مُطْلَقًا فَثَلَاثُ حُجَجٍ إحْدَاهَا: حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ الْمُتَقَدّمُ ذِكْرُهُ.
الثّانِيةُ اتّفَاقُ الصّحَابَةِ عَلَى ذَلِكَ وَقَدْ تَقَدّمَ قَوْلُ الصّدّيقِ لِعُمَرِ هِيَ أَحَقّ بِهِ مَا لَمْ تَتَزَوّجْ وَمُوَافَقَةُ عُمَرَ لَهُ عَلَى ذَلِكَ وَلَا مُخَالِفَ لَهُمَا مِنْ الصّحَابَةِ أَلْبَتّةَ وَقَضَى بِهِ شُرَيْحٌ وَالْقُضَاةُ بَعْدَهُ إلَى الْيَوْمِ فِي سَائِرِ الْأَعْصَارِ وَالْأَمْصَارِ.

.اعْتِرَاضُ ابْنِ حَزْمٍ عَلَى الْأَدِلّةِ السّابِقَةِ وَرَدّ الْمُصَنّفِ عَلَيْهِ:

الثّالِثَةُ مَا رَوَاهُ عَبْدُ الرّزّاقِ: حَدّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ حَدّثَنَا أَبُو الزّبَيْرِ عَنْ رَجُلٍ صَالِحٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ قَالَ كَانَتْ امْرَأَةٌ مِنْ الْأَنْصَارِتَحْتَ رَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِفَقُتِلَ عَنْهَا يَوْمَ أُحُدٍ وَلَهُ مِنْهَا وَلَدٌ فَخَطَبَهَا عَمّ وَلَدِهَا وَرَجُلٌ آخَرُ إلَى أَبِيهَا فَأَنْكَحَ الْآخَرَ فَجَاءَتْ إلَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَتْ أَنْكَحَنِي أَبِي رَجُلًا لَا أُرِيدُهُ وَتَرَكَ عَمّ وَلَدِي فَيُؤْخَذُ مِنّي وَلَدِي فَدَعَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَبَاهَا فَقَالَ أَنْكَحْت فُلَانًا فُلَانَةَ؟ قَالَ نَعَمْ قَالَ أَنْتَ الّذِي لَا نِكَاحَ لَك اذْهَبِي فَانْكِحِي عَمّ وَلَدِكِ فَلَمْ يُنْكِرْ أَخْذَ الْوَلَدِ مِنْهَا لَمّا تَزَوّجَتْ بَلْ أَنْكَحَهَا عَمّ الْوَلَدِ لِتَبْقَى لَهَا الْحَضَانَةُ فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى سُقُوطِ الْحَضَانَةِ بِالنّكَاحِ وَبَقَائِهَا إذَا تَزَوّجَتْ بِنَسِيبِ مِنْ الطّفْلِ. وَاعْتَرَضَ أَبُو مُحَمّدٍ بْنُ حَزْمٍ عَلَى هَذَا الِاسْتِدْلَالِ بِأَنّ حَدِيثَ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ صَحِيفَةٌ وَحَدِيثَ أَبِي سَلَمَةَ هَذَا مُرْسَلٌ وَفِيهِ مَجْهُولٌ.
الْمَدِينَةِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ قَالَ كَانَتْ امْرَأَةٌ مِنْ الْأَنْصَارِ تَحْتَ رَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ فَقُتِلَ عَنْهَا يَوْمَ أُحُدٍ وَلَهُ مِنْهَا وَلَدٌ فَخَطَبَهَا عَمّ وَلَدِهَا وَرَجُلٌ آخَرُ إلَى أَبِيهَا فَأَنْكَحَ الْآخَرَ فَجَاءَتْ إلَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَتْ أَنْكَحَنِي أَبِي رَجُلًا لَا أُرِيدُهُ وَتَرَكَ عَمّ وَلَدِي فَيُؤْخَذُ مِنّي وَلَدِي فَدَعَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَبَاهَا فَقَالَ أَنْكَحْت فُلَانًا فُلَانَةَ؟ قَالَ نَعَمْ قَالَ أَنْتَ الّذِي لَا نِكَاحَ لَك اذْهَبِي فَانْكِحِي عَمّ وَلَدِكِ فَلَمْ يُنْكِرْ أَخْذَ الْوَلَدِ مِنْهَا لَمّا تَزَوّجَتْ بَلْ أَنْكَحَهَا عَمّ الْوَلَدِ لِتَبْقَى لَهَا الْحَضَانَةُ فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى سُقُوطِ الْحَضَانَةِ بِالنّكَاحِ وَبَقَائِهَا إذَا تَزَوّجَتْ بِنَسِيبِ مِنْ الطّفْلِ. وَاعْتَرَضَ أَبُو مُحَمّدٍ بْنُ حَزْمٍ عَلَى هَذَا الِاسْتِدْلَالِ بِأَنّ حَدِيثَ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ صَحِيفَةٌ وَحَدِيثَ أَبِي سَلَمَةَ هَذَا مُرْسَلٌ وَفِيهِ مَجْهُولٌ. وَهَذَانِ الِاعْتِرَاضَانِ ضَعِيفَانِ فَقَدْ بَيّنّا احْتِجَاجَ الْأَئِمّةِ بِعَمْرٍو فِي ابْنِ حَزْمٍ وَقَوْلُ الْبُخَارِيّ وَأَحْمَدَ وَابْنِ الْمَدِينِيّ وَالْحُمَيْدِيّ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ وَأَمْثَالِهِمْ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى سِوَاهُمْ. وَأَمّا حَدِيثُ أَبِي سَلَمَةَ هَذَا فَإِنّ أَبَا سَلَمَةَ مِنْ كِبَارِ التّابِعِينَ وَقَدْ حَكَى الْقِصّةَ عَنْ الْأَنْصَارِيّةِ وَلَا يُنْكَرُ لِقَاؤُهُ لَهَا فَلَا يَتَحَقّقُ الْإِرْسَالُ وَلَوْ تَحَقّقَ فَمُرْسَلٌ جَيّدٌ لَهُ شَوَاهِدُ مَرْفُوعَةٌ وَمَوْقُوفَةٌ وَلَيْسَ الِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ وَحْدَهُ وَعَنَى بِالْمَجْهُولِ الرّجُلَ الصّالِحَ الّذِي شَهِدَ لَهُ أَبُو الزّبَيْرِ بِالصّلَاحِ وَلَا رَيْبَ أَنّ هَذِهِ الشّهَادَةَ لَا تُعَرّفُ بِهِ وَلَكِنّ الْمَجْهُولَ إذَا عَدّلَهُ الرّاوِي عَنْهُ الثّقَةُ ثَبَتَتْ عَدَالَتُهُ وَإِنْ كَانَ وَاحِدًا عَلَى أَصَحّ الْقَوْلَيْنِ فَإِنّ التّعْدِيلَ مِنْ بَابِ الْإِخْبَارِ وَالْحُكْمِ لَا مِنْ بَابِ الشّهَادَةِ وَلَا سِيّمَا التّعْدِيلَ فِي الرّوَايَةِ فَإِنّهُ يُكْتَفَى فِيهِ بِالْوَاحِدِ وَلَا يَزِيدُ عَلَى أَصْلِ نِصَابِ الرّوَايَةِ هَذَا مَعَ أَنّ أَحَدَ الْقَوْلَيْنِ إنّ مُجَرّدَ رِوَايَةِ الْعَدْلِ عَنْ غَيْرِهِ تَعْدِيلٌ لَهُ وَإِنْ لَمْ يُصَرّحْ بِالتّعْدِيلِ كَمَا هُوَ إحْدَى الرّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ وَأَمّا إذَا رَوَى عَنْهُ وَصَرّحَ بِتَعْدِيلِهِ فَقَدْ خَرَجَ عَنْ الْجَهَالَةِ الّتِي تُرَدّ لِأَجْلِهَا رِوَايَتُهُ لَا سِيّمَا إذَا لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا بِالرّوَايَةِ عَنْ الضّعَفَاءِ وَالْمُتّهَمِينَ وَأَبُو الزّبَيْرِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ تَدْلِيسٌ فَلَيْسَ مَعْرُوفًا بِالتّدْلِيسِ عَنْ الْمُتّهَمِينَ وَالضّعَفَاءِ بَلْ تَدْلِيسُهُ مَنْ جِنْسِ تَدْلِيسِ السّلَفِ لَمْ يَكُونُوا يُدَلّسُونَ عَنْ مُتّهَمٍ وَلَا مَجْرُوحٍ وَإِنّمَا كَثُرَ هَذَا النّوْعُ مِنْ التّدْلِيسِ فِي الْمُتَأَخّرِينَ.